القبس /7 (لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ) سورة البقرة:256- الرد على شبهة انتشار الإسلام بالسيف

| |عدد القراءات : 67
  • Post on Facebook
  • Share on WhatsApp
  • Share on Telegram
  • Twitter
  • Tumblr
  • Share on Pinterest
  • Share on Instagram
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save

 (لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ)

موضوع القبس: الرد على شبهة انتشار الإسلام بالسيف


{لَآ} النافية للجنس والجملة يمكن ان تكون خبرية فيخبر الله تعالى ان ارادته لن تتعلق باكراه الناس على اعتقاد الحق قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس:99), وتنفي الآية وجود أي حكم اكراهي في الدين يُجبر عليه الانسان من غير رضاه، فاذا تعرّض الإنسان لحكم اكراهي فليعلم انه ليس من الدين، كحديث (لا ضرر ولا ضرار)([1]), الذي ينفي وجود حكم ضرري في الشريعة.

ويمكن ان تكون العبارة انشائية فتدعوا الآية الى عدم اعتماد أسلوب الاكراه لجلب الاخرين الى الدين وتنهى عنه:

أولاً: لأنه قد تَبيّن الرشد والطريق الموصل الى الهداية والإيمان وأصبح متميّزاً عن الغي وطريق الضلال ويبقى الامر متروكا لاختيار الإنسان وارادته في سلوك اي منهما وليتحمل مسؤولية قراره ثواباً وعقاباً.

ثانياً: لان العقيدة امر عقلي وقلبي فلا يمكن فرضه بالقوة على الإنسان وانما يأتي عن قناعة به، والذي يتعرض للإكراه ويظهر ما يُريده المُكرِه فانه يرجع عنه مباشرة بعد زوال الاكراه، وانما يتصور الاكراه في الأفعال والاعمال الخارجية وقد يلجا اليه العقلاء لإقرار النظام الاجتماعي ولحماية الانسان من الضرر ونحو ذلك مما سياتي.

والحقيقة ان المعنى الثاني مستند الى الأول لان حاصلهما: النهي عن اجبار شخص على الاعتقاد بالحق، لعدم إمكانية تحقيق هذه النتيجة بالإكراه, وانما بالإقناع ونستفيد من الآية عدة أمور:

1-          ان الإسلام يحترم كرامة الانسان وحريته وحقه في اعتناق العقيدة التي يقتنع بها ويعتمد أسلوب الحجة والبرهان والبيان لتحصيل القناعة التامة لدى الاخر فحرية الاعتقاد أوضح علامة على انسانية الانسان فمن يسلب هذه الحرية انما يجرد الانسان من انسانيته.

ولأجل احترام هذه الحرية ومبدا الاختيار نفى ونهى عن الاكراه في الدين، والاختيار سنة إلهيّة جارية في خلقه ويتحمل الانسان مسؤولية اختياره {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال:42).

2-          وقد كفل الإسلام مضافاً إلى ذلك حرية ممارسة الشعائر الدينية، وفي بعض الروايات (أن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه واله) وكان سيدهم الاهتم والعاقب والسيد، وحضرت صلواتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال أصحاب رسول الله: يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال: دعوهم، فلما فرغوا دنوا من رسول الله فقالوا: إلى ما تدعوا؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله (صلى الله عليه واله)، وأن عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث قالوا: فمن أبوه؟) وكأنهم أرادوا أن يحرجوه (صلى الله عليه واله) بهذا السؤال ليثبتوا أنه ابن الله (فنزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه واله)، فقال: قل لهم: ما يقولون في آدم؟ أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ فسألهم النبي (صلى الله عليه واله) فقالوا: نعم، فقال: فمن أبوه؟ فبقوا ساكتين، فأنزل الله: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)([2]).

وكان أصحاب الديانات والملل المختلفة يعيشون في ظل دولة الإسلام ويمارسون شعائرهم بكل حرية، ومن ارقى مظاهر الإنسانية تعاطف امير المؤمنين (عليه السلام) مع بعض غير المسلمين الذين تعرضوا للسلب في احدى غارات معاوية على غرب العراق بحيث يشرف (عليه السلام) على الموت ألماً وأسفاً قال: (وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالْأُخْرَى المُعَاهَدَةِ([3])، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا([4]) وَقُلْبَهَا([5]) وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا([6])، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالْإِسْتِرْجَاعِ وَالْإِسْتِرْحَامِ([7])، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ([8])، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ([9])، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً)([10]).

3-          ان الاكراه المنفي ليس فقط على مستوى استعمال القوة العنيفة بل ترفَّع الإسلام أيضاً عن كل الأساليب غير الشفافة والاكراه بالقوى الناعمة كممارسة الخداع والتضليل والتمويه والتجهيل والادعاءات الباطلة، واستخدام الوسائل والظواهر الخادعة والخارقة للعادة ظاهراً التي تقود المسحور بها الى التسليم، فهذه كلها أساليب مرفوضة لأنها تصادر العقل والادراك والوعي والتدبر.

فان قلتَ: أن هذا ليس إكراهاً لغة وعرقاً.

قلنا: يمكن أن يكون المعنى القرآني أوسع منهما أو نقول ان مناط الاكراه موجود فيها وهو مصادرة الوعي والبصيرة والتدبر.

4-          تفريعاً على هذه النقطة, فان الآية الكريمة تدعو الناس الى ترك التقليد في العقائد واتباع طريق الحجة والبرهان، لان التقليد من غير تدبر وادراك ووعي هو شكل من اشكال الاكراه والمورد لا يقبله.

5-          ان الآية خير رد على من يتهم الإسلام بالتوسع بالقوة العسكرية واجبار الاخرين على اعتناقه، فان من يترفع عما ذكرناه في النقطة الثالثة يكون من باب أولى رافضاً لأساليب القهر والتهديد بالقوة، وانما جاز القتال في بعض الموارد للدفاع عن النفس او لحماية المجتمع من الفتنة والضلال او لإزالة قبضة الطواغيت الذين يمنعون الناس من الاستماع الى الحق واتباعه ويصادرون حريتهم في الاعتقاد والممارسة ونحو ذلك من الدوافع التي ذكرناها في اكثر من موضع.

6-          مما تقدم يظهر ان موضوع هذه الآية مختلف عن موضوع آيات القتال لذا فما قيل من ان هذه الآية منسوخة بتلك الآيات غير صحيح, وإنَّ علة الحكم بعدم الاكراه في الدين وهو تبيّن الرشد من الغي موجودة ومستمرة ولا تتأثر بآية القتال.

7-          إن هذا المبدأ دليل على عظمة الإسلام, وثقته بنفسه, وقدرته على اقناع البشرية, ولذا فهو لا يحتاج الى القوة, وهكذا كل أصحاب المشاريع الناجحة الرصينة, وانما يتوسل بالقوة الفاشلون من اصحاب الأيدولوجيات البشرية، غير القادرين على اقناع الناس بمشروعهم أو أنهم لا يمتلكون مشروعاً حضارياً أصلاً.

والمفارقة الغريبة ان الله تعالى خالق البشر ومدبرهم وولي أمورهم ينهى عن الاكراه في العقيدة لكن الطواغيت والمستكبرين وهم مخلوقون عاجزون فاشلون يعطون لأنفسهم الحق في اجبار الناس على متابعتهم وتنفيذ ما يُريدون.

8-          والآية لا تنافي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لان الغرض من هذه الفريضة هو إلزام المعتقد للحق بالعمل بما أعتقده صحيحاً وليس اجبار غير المعتقد للحق على اعتقاده، مضافا الى ان هذه الفريضة انما شُرّعت لحفظ النظام الاجتماعي العام من المفسدين والمنحرفين والمضلين, ولضمان تطبيق القوانين التي يدين بها الناس ومن واجب العقلاء فعل ذلك، وإلزام الناس بالنظام العام وعدم التجاوز على حقوق الآخرين.

9-          يفهم البعض من الآية فهماً مغلوطاً فيتصور ان الآية تدل على ان الإسلام لا يتدخل في عقيدة الانسان وسواءٌ عنده ان يؤمن او لا يؤمن، ويجيز لكل انسان ان يعتقد ما يشاء حتى عبادة الاصنام من دون أي يلحق به أي مسؤولية، وان الإسلام يقف على مسافة واحدة من الجميع.

وهذا الفهم يناقض أساس الإسلام المبني على التوحيد ونبذ الشرك والكفر قال تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران:19), وقال {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102), وهذ الفهم يشبه من يضع القوانين لحفظ مصالح العباد والبلاد ثم يقول لهم انتم احرار في الالتزام وعدم الالتزام بها.

فالصحيح ان الله تعالى لا يأذن بعقيدة غير التوحيد وان معنى الآية إعطاء الانسان حرية اختيار العقيدة على أن يتحمل مسؤولية قراره بعد اتضاح الحق والطريق الموصل اليه.



([1]) الكافي- الشيخ الكليني: 5/280.

([2]) بحار الأنوار- المجلسي: 21/340.

([3]) المعاهَدَة: الذميّة.

([4]) الحِجْل ـ بالكسر وبالفتح وبكسرين ـ: الخلخال.

([5]) القُلُب ـ بضمتين ـ: جمع قُلْب ـ بالضم فسكون ـ: السوار المُصْمَت.

([6]) الرعاث ـ جمع رَعثة ـ وهو: ضرب من الخرز.

([7]) الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء مع القول: إنّا لله وإنا اليه راجعون، والاسترحام: أن تناشده الرحمة.

([8]) وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم، ويروى (موفورين).

([9]) الكَلْم ـ بالفتح ـ: الجرح.

([10]) نهج البلاغة: 67, الخطبة 27- الكافي- الشيخ الكليني: 5/5.